الخميس، 1 فبراير 2018

العملاق الأناني - قصة مترجمة لأوسكار وايلد



العملاق الأناني
في كل عصر، تعوّد الأطفال الذهاب واللعب في حديقة العملاق في طريق عودتهم من المدرسة.
كانت حديقة جميلة وكبيرة ذاتَ حشائش خضراء ناعمة. وقفت أزهار هنا وهناك على العشب مثل النجوم، وكان هناك اثنا عشر شجرة خوخ تتفتح في وقت الربيع عن أزهار مميزة من اللون الوردي واللؤلؤي، وفي الخريف تحمل فواكه غنية. جلست الطيور على الأشجار وغنت غناء جميلًا جعل الأطفال يُوقفون ألعابهم ليستمعوا إليها. "كم نحن سعداء هنا!" هكذا تصايح الأطفال بعضهم لبعض.
وفي يوم من الأيام عاد العملاق. كان في زيارة لصديقة جرونش الأجور، وبقي هناك معه سبعة أعوام. لقد قال العملاق كل ما يمكن أن يقوله بعد مرور السنوات السبع، لأن محادثته كانت قاصرة، وقرر أن يعود إلى قلعته. وعندما وصل رأى الأطفال يلعبون في الحديقة.

"ماذا تفعلون هنا؟" قال العملاق بصوت خشن، وهرب الأطفال بعيدًا.
قال العملاق: "حديقتي هي حديقتي"، "أي أحد يستطيع أن يفهم ذلك، وأنا لن أسمح لأي شخص أن يلعب فيها إلا أنا." ولذلك بنى سورًا عاليًا حولها ووضع لافتة.
المتعدون على أملاك الغير سوف يُلاحقون قضائيًا
لقد كان عملاقًا أنانيًا جدًّا.
ولم يعد للأطفال الفقراء مكان يلعبون فيه الآن. حاولوا اللعب في الطريق، ولكنه كان مليئًا بالتراب والأحجار الصلبة، ولم يعجبهم هذا. تعودوا أن يتجولوا حول السور العالي عندما تنتهي دروسهم ويتكلمون عن الحديقة الجميلة التي بداخله. "كم كنا سعداء هناك!" قالوا لبعضهم البعض.
ثم جاء الربيع، وانتشرت في أرجاء البلد الأزهار الصغيرة والطيور. ولكن في حديقة العملاق الأناني بقي الشتاء كما هو. لم تهتم الطيور بالغناء فيها لعدم وجود أطفال، والأشجار نست أن تُخرج الأزهار. أخرجتْ زهرة جميلة رأسها مرة من العشب، لكنها عندما رأت اللافتة شعرت بالأسف على الأطفال لدرجة أنها انسحبت مرة أخرى بداخل الأرض لتنام. والأشخاص الذين كانوا سعداء هم الثلج والصقيع فقط. "لقد نسي الربيع هذه الحديقة" قالا لبعضهما البعض. "لذلك سنعيش هنا على مدار العام." غطى الثلج العشب بعباءته البيضاء الضخمة، ودهن الصقيع كافة الأشجار باللون الفضي. ثم قاما بدعوة رياح الشمال لتعيش معهما، وجاءت فعلًا. كانت ملتفة بالفراء، وزأرت طوال اليوم حول الحديقة، وأسقطت أصاري الزرع أرضًا. قالت الرياح: "هذه بقعة مميزة"، "يجب علينا أن نطلب من البرَد أن يزورنا." لذا جاء البرَد. كل يوم ولمدة ثلاث ساعات، هز سقف القلعة حتى كسر معظم الألواح، وبعد ذلك جرى حول الحديقة هنا وهناك جريًا سريعًا بأقصى ما يستطيع. كان يرتدي رداءً رماديًا، وأنفاسه كانت مثل الثلج.
قال العملاق الأناني حينما جلس عند النافذة ونظر إلى حديقته البيضاء الباردة، "لا أستطيع أن أفهم لماذا تأخر الربيع جدًّا في القدوم، أرجو أن يكون هناك تغيير في الطقس."
لكنّ الربيع لم يأتِ أبدًا، ولا الصيف. أعطى الخريف ثمرة ذهبية لكل حديقة، لكنّه لم يعطِ حديقة العملاق شيئًا. قال الخريف: "هو أناني جدًّا". لذلك كان الشتاء هناك دائمًا، ورقصت رياح الشمال والبرَد والصقيع والثلج خلال الأشجار.
وذات صباح، كان العملاق مستلقيًا وهو مستيقظ في السرير عندما سمع موسيقى جميلة. كان وقعها لذيذًا جدًا على مسامعه، حتى أنه ظنها موسيقيي الملك يمرون بجانبه.
لقد كانت في الحقيقة طائرًا تفاحيًا يغني خارج نافذته، لكنْ قد مر وقت طويل جدًا منذ سماعه لغناء طائر في حديقته والذي بدا له أجمل موسيقى في العالم. ثم توقف البرَد عن الرقص فوق رأسه، وامتنعت رياح الشمال عن الزئير، وجاءت إليه رائحة عطر لذيذ عبر النافذة البابية المفتوحة. قال العملاق: "أعتقد أنّ الربيع قد جاء أخيرًا، ثم قفز من على السرير ونظر إلى الخارج.
ماذا رأى؟
رأى منظرًا رائعًا جدًا. تسلل الأطفال عبر فتحة صغيرة في السور، وكانوا جالسين على أغصان الأشجار. كان هناك طفل صغير على كل شجرة يستطيع العملاق رؤيتها. وكانت الأشجار سعيدة للغاية لرجوع الأطفال مرة أخرى، فقامت بتغطية نفسها بالزهور، وكانت تُلوّح بأذرعها برفق فوق رؤوس الأطفال. كانت الطيور تطير وتغرد بسرور، وكانت الأزهار تنظر لأعلى خلال العشب الأخضر وهي تضحك. كان مشهدًا جميلًا، لكنْ بقي الشتاء موجودًا في ركن واحد. كان الركن الأبعد من الحديقة، وكان يقف فيه ولد صغير. كان صغيرًا جدًا؛ فلم يقدر أنْ يصل إلى أغصان الشجرة، وكان يتجول حولها وهو يبكي بكاءً مريرًا. كانت الشجرة قليلةُ الحظ مازالت مغطاة بالصقيع والثلج، ورياح الشمال تعصف وتزأر فوقها. قالت الشجرة: "تسلّق! أيها الطفل الصغير"، ونحّت أغصانها لأسفل على قدر استطاعتها. لكنّ الطفل كان صغيرًا جدًا.
وذاب قلب العملاق لمّا شاهد ما شاهده. قال: "كم كنت أنانيًا!" الآن بت أعرف لماذا لم يأتِ الربيع هنا. سوف أضع هذا الطفل الصغير قليل الحظ على أعلى الشجرة، ثم سأهدم السور، وستصبح حديقتي ملعب الأطفال للأبد. كان آسفًا جدًا جدًا لما فعله.
نزل السلالم بهدوء وحذر وفتح الباب الأمامي بهدوء وخرج إلى الحديقة. لكنْ عندما رآه الأطفال شعروا بالخوف الشديد فجروا بعيدًا، وصارت الحديقة شتاء مرة أخرى. فقط الطفل الصغير هو الذي لم يجر؛ لأن عينيه كانتا مملوءتين بالدموع فلم يستطع رؤية قدوم العملاق. وتسلل العملاق من خلفه، وأخذه في يده بعناية ووضعه على الشجرة. فتفتّحت الشجرة عن مجموعة من البراعم وجاءت الطيور وغنت عليها، ومد الطفل الصغير ذراعيه ووضعهما فجأة حول عنق العملاق، وقبّله. وعندما علم الأطفال الآخرون أنّ العملاق لم يعد شريرًا بعد الآن، رجعوا وهم يجرون، ومعهم عاد الربيع. قال العملاق: "إنها حديقتكم الآن، أيها الأطفال الصغار" وأخذ فأسًا كبيرًا وهدم السور. وفي الساعة الثانية عشرة عندما كان الناس يذهبون إلى السوق وجدوا العملاق يلعب مع الأطفال في أجمل حديقة رأوها من قبل.
لعبوا طوال اليوم، وفي المساء جاءوا ليضعوا العملاق في سريره قائلين له مع السلامة.
قال: "لكن أين رفيقكم الصغير؟"، "الولد الذي وضعته فوق الشجرة." لقد أحبه العملاق كثيرًا لأن الطفل قبّله.
أجاب الأطفال "لا نعرف، لقد غادر بعيدًا"
قال العملاق: "يجب أن تُخبروه بأن يطمئنَّ ويرجع هنا غدًا." لكنّ الأطفال قالوا بأنهم لا يعرفون مكان معيشته، وأنهم لم يروه من قبل، فشعر العملاق بحزن شديد.
وبعد كل عصر، عندما تنتهي المدرسة، جاء الأطفال ولعبوا مع العملاق. لكنّ الولد الصغير الذي أحبه العملاق لم يُرَ مجددًا.
كان العملاق لطيفًا مع كل الأطفال، ولكنه كان يتوق لصديقه الأول الصغير، وغالبًا ما تحدث عنه. لقد تعوّد أنّ يقول: "كم سأفرح برؤيته!"
مرت سنوات، وكبر العملاق وأصبح عجوزًا واهنًا. لم يستطع أن يلعب مجددًا، ولذلك كان يجلس في كرسي ذي ذراع كبير، وهو يشاهد الأطفال في ألعابهم، وهو معجب بحديقته. قال: "عندي الكثير من الأزهار الجميلة "،"لكنّ الأطفال هم أجمل الأزهار على الإطلاق"
وفي صباح شتاء ما، وبينما كان يرتدي ملابسه نظر خارج نافذته. لم يعد يكره الشتاء الان، لأنّه كان يعلم أنّ الربيع نائم فقط، وأنّ الأزهار ترتاح.
وفجأةً فرك عينيه متعجبًا، ونظر مرة بعد مرة. لقد كان بالتأكيد منظرًا مدهشًا. في الركن الأبعد من الحديقة، كانت هناك شجرة مغطاة بأزهار بيضاء جميلة. كانت أغصانها كلها ذهبية، وتتدلى منها فواكه فضية، وتحتها وقف الولد الصغير الذي أحبه.
جرى العملاق لأسفل السلالم في فرحة غامرة، إلى داخل الحديقة. وجرى مسرعًا عبر العشب، وجاء بالقرب من الطفل. وعندما اقترب منه صار وجهه أحمر مغضبًا وقال: "من تجرّأ على جرح هذين؟" كانت هناك آثار مسمارين على راحتي الطفل وقدميه الصغيرتين.
صاح العملاق: "من تجرّأ على جرح هذين، "أخبرني؛ لآخذ سيفي الكبير وأذبحه."
أجاب الطفل "كلّا!"،"إنّ هذه جراح الحب."
"ما هذه؟" قال العملاق، وغشيت العملاقَ رهبةٌ غريبةٌ، وركع أمام الطفل الصغير.
وابتسم الطفل للعملاق وقال له: "لقد تركتني ألعب مرة في حديقتك، واليوم ستأتي معي إلى حديقتي، إلى الفردوس."
وعندما جرى الأطفال في عصر ذلك اليوم وجدوا العملاق ميتًا وهو ممدد تحت الشجرة ومغطى كليًا بأزهار بيضاء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق